فساد القطاع الصحي يخرج إلى العلن

مدنين - أوت 2016 


 

أدى الكشف عن عمليات زرع اللوالب القلبية منتهية الصلوحية لعدد من المرضى في المصحات الخاصة إلى تسلط الاهتمام العام على الفساد في القطاع الصحي.

وهو اهتمام جديد لم يحض به قطاع الصحة من قبل رغم أن المعهد الوطني للإحصاء في تونس كان قد أعلن في مطلع السنة الحالية عن دراسة أكد فيها أن قطاع الصحة إلى جانب قطاع الأمن هو أكثر القطاعات التي ينخرها الفساد [1].

وفي الوقت الذي ما تزال فيه التحقيقات بشأن قضية اللوالب منتهية الصلوحية [2] متواصلة للكشف عن المصحات والمستشفيات المتورطة وعدد المرضى المتضررين،صرح رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء في الإعلام بأنّ قاضي التحقيق بالمكتب الرابع بالمحكمة الابتدائية بتونس يتعهد بقضية فساد صحي لا تقل في خطورتها عن قضية " اللوالب القلبية منتهية الصلوحية" وتتمثل في قضية "البنج الفاسد ".وذلك بعد وجود شبهات حول صفقات في مواد للتبنيج كانت قد تسببت في سحب بنج "بروبوفال" من الأسواق التونسية وفي حالات وفاة بسبب مخدر تبنيج " فاكاين " وقد اتهمت في هذه القضية شركات تونسية [3].

وتبين مختلف هذه الملفات خطورة الوضع الصحي والمخاطر التي تحيط بالمواطن التونسي بما يهدد حقه في الصحة وفق ما يكفله الدستور[4].

وفي إطار محاولتها التعاطي مع أثار الفضيحة تولت وزارة الصحة التونسية إعلان اتخاذها عددا  من القرارات التأديبية ضد المصحات الخاصة بعد ثبوت تورطها في قضية اللوالب القلبية منتهية الصلوحية.

وشملت هذه القرارات ثلاثة أصناف : التوبيخ / الغلق الوقتي لمدة شهر أو لمدة 3 أشهر / الغلق النهائي للقاعة [5] .كما شملت العقوبات قسم أمراض القلب بمستشفى سهلول – ولاية سوسة.إذ تم إعفاء رئيسة قسم أمراض القلب بالمستشفى المذكور وإحالتها على مجلس التأديب مع الطبيبين المتورطين في عملية وضع القوالب.

واقترنت هذه العقوبات التأديبية الإدارية بتتبع قضائي بعد تقديم شكايات جزائية في الغرض.وتم تكوين لجنة من الأطباء لتأمين المتابعة الصحية لمدة 24 شهرا لحالة المرضى المعنيين والتثبت من حالتهم الصحية.وقد وضعت هذه اللجنة رقما مجانيا على ذمة المرضى وعائلاتهم يمكّنهم من خلاله الاتصال بالأطباء أعضاء هذه اللّجنة للإجابة على كافة استفساراتهم [6] .

وقد قوبلت القرارات باستهجان من قبل الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي والبعض من منظمات المجتمع المدني [7].خاصة وأن عقوبات التوبيخ والغلق المؤقت عقوبات تعد بسيطة أمام حجم الضرر المسبب فيه.ما دفع وزير الصحة التونسية إلى التأكيد على تكوين لجنة لمراجعة القوانين الإدارية في اتجاه تشديد العقوبات أكثر ضد المخالفين كما سيتم تنقيح كراس الشروط المنظم للمصحات الخاصة حسب ما أعلنه خلال الندوة الصحفية.

ولم تقف المسألة عند هذا الحد خاصة بعد فتح بحث تحقيقي  من أجل القتل عن غير قصد نتيجة قصور وعدم احتياط وإهمال تبعا لوفاة مواطنة إثر خضوعها لعملية جراحية تبين فيها أنّ سبب الموت كان ناتجا عن استعمال بنج فاسد.وقد تم سحب هذه الكمية من المستشفيات نظرا لأنها تحمل خللا في التركيبة بينته مراسلة المخبر الأجنبي المزود للبنج الذي تقتنيه الصيدلية المركزية التونسية.

ورغم تداول المسألة إعلاميا فإن الوزارة اكتفت ببلاغ يتيم وضحت فيه أشياء معروفة مسبقا بكون أن " عملية التوريد تتم عن طريق الصيدلية المركزية التونسية وعن حرصها الدائم على ضمان صحة المواطن وسلامة الأدوية والمنتجات الصحية والتي تخضع لمسالك قانونية للتزود والترويج والمتابعة عند الاستعمال." [8] قبل أن يعلن الوزير في لقاء إذاعي عن أن مسألة البنج الفاسد طرحت منذ 2 ديسمبر 2014 وتم اكتشاف البنج الفاسد منذ فيفري 2015 تاريخ اكتشاف الخلل وتم سحب كل الكميات في ذات الشهر.فيما نفت الصيدلية المركزية على لسان ممثليها في تصريح إعلامي مسؤوليتها في هذا الموضوع.

وقد أدى تدخل العديد من الأطراف في القضية وتعدد الاتهامات بالتورط والتقصير حول المسألة إلى " حرب " بيانات وبلاغات بدأ ببيان الغرفة النقابية الوطنية للمصحات الخاصة بتاريخ 6 أوت 2016 التي اعترضت فيه على حملات التشهير المفرطة بالمصحات وتوعدت بالرد عن طريق غلق قاعات عملياتها الخاصة بهذا الشأن.ثم تلا هذا البيان من ناحية أخرى عقد الشركة العربية للصناعات الصيدلانية (سيف) ندوة صحفية في 9 أوت 2016  تنديدا بقرارات وزارة الصحة المتعلقة بسحب تراخيص صنع وتسويق 5 أنواع من الأدوية.وتواصلت معه التصريحات الصحفية والإذاعية لمختلف الأطراف إما تبرئة أو توضيحا أو اتهاما.



[1]  المسح الوطني حول نظرة المواطن إلى الأمن والحريات والحوكمة المحلية بين سبتمبر 2014 و أكتوبر 2015 – المعهد الوطني للإحصاء.

[2]  تم طرح قضية اللوالب منتهية الصلوحية في مقال بعنوان " طبيبة تكشف تجاوزات في مستشفى الرابطة وآلات قلب انتهت صلوحيتها ورغم ذلك تزرع في قلوب المرضى وأطباء غير مختصين يعالجون المرضى " صدر بجريدة الجمهورية الأسبوعية من 7 إلى 13 جويلية 2011.

[3]  تصريح للقاضي أحمد الرحموني رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء ، تصريح للصباح نيوز – بتاريخ 8 أوت 2016 .

[4]  الفصل 37 من دستور 2014 : " تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن وتوّفر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية.

تضمن الدولة العلاج المجاني لفاقدي السند، ولذوي الدخل المحدود. وتضمن الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون. "

[5]   الندوة الصحفية لوزارة الصحة بتاريخ 2 أوت 2016 حول النتائج الأولية للبحث على ضوء تقرير التفقدية الطبية العامة على أساس عملية تدقيق في ملفات اللوالب القلبية المسجلة بين سنتي 2011 و 2016 :

-          عدد المصحات المعنية : 14 مصحة : مونبليزير 55 حالة / المصحة العامة لجراحة القلب والشرايين بتونس 19 حالة / مصحة ضفاف البحيرة 16 حالة / مصحة ابن رشد 3 حالات / التوفيق 3 حالات / مصحة قرطاجنة حالتان / مصحة باستور حالتان / حنبعل – المنار –الأمان – سان اوغستان  بتونس – الرحمة بالمهدية – العالية والبساتين بصفاقس : حالة واحدة.

-          عدد الأطباء المباشرين للعمليات : 49 طبيبا يعمل بعضهم في أكثر من مصحة تم إحالة ملفاتهم على عمادة الأطباء.

-          عدد  المرضى المتضررين : 107 مريضا

[6]  بلاغ وزارة الصحة بتاريخ 5 أوت 2016.

[7]  بيان منظمة أنا يقظ / بيان الاتحاد العام التونسي للشغل.

[8]  بلاغ وزارة الصحة بتاريخ 9 أوت 2016.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرهان الرياضي بين احتكار الدولة والخوصصة الموازية - الأستاذ رمزي محمدي المحامي والباحث في القانون الرياضي

العدد الأول لمجلة الفيفا القانونية لسنة 2026

تقديم مداخلتين : حول تأسيس وتمويل الجمعيات الرياضية - يوم دراسي " المحامي والقانون الرياضي" الفرع الجهوي للمحامين بمدنين ديسمبر 2018