علاقة رجل الأمن بالمواطن في تونس :احترام حقوق الإنسان هي المحرار

 


 مدنين - جويلية 2016 



يعتبر قطاع الأمن في تونس أكثر القطاعات ارتباطا بصفة مباشرة بالمواطن فالأمني هو أداة مباشرة للسلطة التنفيذية للسهر على ضمان السلم في المجتمع.

ويشغل قطاع الأمن في تونس حوالي 83 ألف أمني يتكونون من الشرطة والحرس الوطني وأعوان السجون والإصلاح والديوانة والحماية المدنية والفوج الوطني لمكافحة الإرهاب وتشرف وزارة الداخلية على مختلف أصناف قوات الأمن الداخلي وتهتم بتنظيم كيفية انتدابهم وتكوينهم وتوزيعهم على مراكز العمل.

ودائما ما تطرح علاقة الأمني بالمواطن نقاشا كبيرا وإن يستثنى من هذه العلاقة التي يتجاذبها التوتر أحيانا والتفهم أحيانا أخرى رجال الحماية المدنية نظرا لطبيعة وظيفتهم الحمائية البحتة فإن بقية أصناف قوات الأمن الداخلي كثيرا ما تثير التساؤل حول علاقتها بالمواطن من ناحية مدى احترام الأمني لحقوق الإنسان.

ويسعى العديد من الأطراف سواء من المجتمع المدني أومن الأمنيين أنفسهم أومن وزارة الداخلية باعتبارها سلطة الإشراف على الأمنيين إلى المساهمة في بناء الصورة الجديدة لرجل الأمن  بالقطع مع مخلفات الماضي والتأسيس للأمن الجمهوري  (1) وذلك من خلال الدعوة لتنقيح القوانين المنظمة للقطاع (2) أو بما تقوم به النقابات الأمنية من أدوار كفاعل جديد في هذه العلاقة (3) أو من خلال البعد الإعلامي الذي أصبحت تتعاط معه وزارة الداخلية (4).

 

-         الأمني بين مخلفات الماضي والسعي لبناء الصورة الجديدة :

 

تميزت علاقة رجل الأمن بالمواطن بانتهاك كبير لحقوق الإنسان في فترة ما قبل 14 جانفي 2011 صاحبه تضييق على الحريات وتكميم للأفواه وسجن وتهجير العديد من الناشطين في الميدان السياسي والحقوقي إضافة إلى مقتل العديد تحت التعذيب.

وقد ساهمت ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي في كسر الخوف المواطنين من سطوة الأمن وتميزت التظاهرات بمسيرات سلمية وأخرى شابها العنف تسببت في سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى وإحراق العديد من المراكز الأمنية والديوانية كردة فعل على ذلك.

ومازالت العلاقة بين الأمن والمواطن تطرح المزيد من الشك حول تحسنها كلما كانت هناك تدخلات لفض التظاهرات بالقوة أو كلما وردت تقارير تبين وجود حالات تعذيب أو تدهور الوضع الصحي للسجون التونسية.

وتبرز هذه العلاقة كمحرار أساسي في معرفة مدى احترام الدولة لحقوق الإنسان خاصة وأن الأجهزة الأمنية تكون في مواجهة مباشرة مع الأفراد سواء بشكل جماعي مثل التظاهرات أو الإعتصامات أو المسيرات السلمية أو بشكل فردى من خلال مراجعة الأفراد لمراكز الشرطة كمشتكين أو مشتك عليهم أو شهود، هذه المواجهة تفرض على الدولة وأجهزتها الشرطية احترام حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.

وتتأرجح صورة رجل الأمن بين صورتين  :

من جهة أولى تبدوا الصورة القديمة التي طبعت علاقة رجل الأمن بالمواطن طيلة 23 سنة من حكم بن علي وفي عهد الرئيس بورقيبة التي كانت غاية الأمني فيها الحفاظ على مصالح النظام الحاكم عوض الحفاظ على أمن المواطن الذي يعد جزء من الحفاظ على النظام العام  وذلك بسبب الإرادة السياسة التي  كانت عاملا رئيسيا في بلورة هذه الصورة .

 ومن جهة ثانية يحاول الأمني التعبير عن صورته الجديدة التي وقع تكريسها دستوريا بوصفه أمنا جمهوريا في دستور 27 جانفي 2014 في الفصل 19 منه الذي ينص على أنّ

 " الأمن الوطني أمن جمهوري قواته مكلفة بحفظ الأمن، والنظام العام وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات وإنفاذ القانون في كنف احترام الحريات وفي إطار الحياد التام". [1]

والتي يوجد صعوبة في إدراكها سواء من المواطن الذي كثيرا ما يذكره القمع بإمكانية عودة الدولة البوليسية في كل لحظة أو من قبل الأمني الذي يكون في خط المواجهة الأول مع الخطر الإجرامي وخاصة الخطر الإرهابي. ما يفرض ضرورة التعاون بين الطرفين من أجل القطع مع صورة الغطرسة والقوة القديمة وتعزيز بناء الصورة الجديدة صورة الأمن الجمهوري المتصالح مع المواطن .

وفي هذا الإطار يقول السيد عفيف كسيكسي الناطق الرسمي باسم النقابة الجهوية للحرس الوطني بولاية مدنين أن "  علاقة عون الأمن بالمواطن ترتكز في ثلاث مجالات الأول ميدان التراتيب وذلك بانجاز بطاقات التعريف الجوازات وعدة خدمات أخرى والعلاقة في هذا المجال الأول ممتازة رغم إشكاليات طول الانتظار والابتزاز من المواطنين وهي قليلة والحمد لله.

المجال الثاني هو ميدان المرور وهو ما يعتبر معضلة كبيرة لتفشي ظاهرة الرشوة وهي خطر فعلي على أمن تونس.أما المجال الثالث فهو الميدان العدلي وفيه عدة تجاوزات لكنها لا ترتقي أن تكون ظاهرة مثل التجاوزات لمحاباة طرف على آخر.وقد مثل القانون الجديد  المتعلق بالاحتفاظ عبئا على عون الأمن أدى إلى ضياع حق المتضرر حتى أصبح  جل رؤساء المراكز يطلب من النيابة أن لا يقع الاحتفاظ تفاديا لأي إشكالات.

لكن هذا لا ينفي أن علاقة الأمن بالمواطن في تحسن كبير عززها التواصل الدائم بينهما وحجم الثقة المتبادلة التي تزداد يوما بعد يوم."

 

-         دعوة لمراجعة النصوص والالتزام بتطبيقها :

 

تبدوا مراجعة النصوص القانونية المنظمة لقطاع الأمن في تونس ضرورة ملحة باعتبار أن هذه النصوص إضافة إلى السياسات العامة للدولة هي التي تحدد سياق العقيدة الأمنية بما هي عقيدة منسجمة أو متقاطعة مع حقوق الإنسان.

فمراجعة النصوص القانونية من شأنها توضيح المهام الحقيقية لرجل الأمن وتأمين الحماية الضرورية له حتى يقوم بعمله على أكمل وجه، إلى جانب نشر ثقافة حقوق الإنسان في صفوف رجال الأمن بداية من مرحلة التكوين وصولا إلى تعزيز ضمان حيادية المؤسسة الأمنية والنأي بها عن التجاذبات السياسية.

 فالمنظومة التكوينية لا بد أن يكون هدفها تغيير العقيدة الأمنية لعون الأمن بحيث يصبح ولاء عون الأمن لقيم الدولة الديمقراطية لا لمصالح النظام السياسي القائم. التركيز على ثقافة حقوق الإنسان بالقدر الذي يتم فيه التركيز على الارتقاء بالقدرات المهنية والفنية لقوات الأمن.

ويتم تكوين إطارات الأمن في مدارس مخصصة للغرض يبلغ عددها اليوم ثمان مدارس [2].

" علي " أحد المتخرجين الجدد من المدرسة الوطنية للحرس الوطني أكد لنا أن التكوين في تحسن إذ يراوح بين ما هو بدني ومهارات حربية وعسكرية وما هو قانوني يبرز علاقة الأمني بالمواطن في إطار نموذج الشرطة المجتمعية التي تخدم المواطن.

وبسؤالنا له حول الاعتداءات التي تطال المواطن قال محدثنا " أن الجيل الجديد لا يمارس هذه الاعتداءات وأن لديه ثقة في هذا الجيل والذي وإن تعوزه الإمكانيات اللازمة في العمل فإنه يكافح من أجل أداءه على أكمل وجه."

وباستفسارنا له حول وجود مبرر للاعتداءات أضاف " أن التعذيب ليس له أي مبرر ولكن سوء المعاملة قد يرتبط في غالب الأحيان بالرغبة في سرعة الحصول على المعلومة أو بشدة الجرائم المرتكبة وكذلك بتغير عقلية المجرم الذي أصبح مجرما محترفا يتفوق على كل أساليب الاستجواب رغم أن ذلك لا يمكن أن يكون سببا كافيا لمثل هذا السوء في التعامل إن وجد فالالتزام بالقانون هو الأفضل."

كما أنّ النظام الأساسي لقوات الأمن الداخلي القانون عدد 70 ل سنة 1982 المؤرخ في 6 أوت 1982 المتعلق بضبط القانون الأساسي العام لقوّات الأمن الداخلي كذلك شملته العديد من التنقيحات[3] وعزز بالقانون عدد 50 لسنة 2013 المؤرخ في 19 ديسمبر 2013 المتعلق بضبط نظام خاص للتعويض عن الأضرار الناتجة لأعوان قوات الأمن الداخلي عن حوادث الشغل والأمر المهنية فيما سجلت بعض مشاريع القوانين معارضة شديدة [4] ومن ضمنها مشروع القانون عدد 2015/25 المتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة.

ويسجل في هذا الإطار بعض البرامج الإيجابية مثل القانون المتعلق بالاحتفاظ والذي يضمن تجنب سوء المعاملة رغم بعض الصعوبات في التطبيق التي يجابهها إضافة إلى إحداث آلية وطنية للوقاية من التعذيب وذلك بالمصادقة على القانون المتعلق بها وانتخاب أعضاء الهيئة الوطنية لمقاومة التعذيب [5].

 

 

-         دور النقابات الأمنية :

 

لم يعد الجانب النقابي محصورا في القطاعات التقليدية المعروفة إذ أن الثورة جعلت رجل الأمن يعيد النظر في وضعيته المهنية والاجتماعية باعتبارها ركنا من أركان إصلاح المؤسسة الأمنية ككل والمصالحة مع المجتمع فكان ذلك مردا  لإنشاء النقابات الأمنية.

وقد تم إقرار الحق النقابي الأمني بمقتضى المرسوم عدد 42 لسنة 2011  في 25 ماي 2011 [6] ثم تم تكريس هذا الحق دستوريا [7] فتم تكوين الإتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي الذي يضم في مكوناته :الإدارة العامة لوحدات التدخل والإدارة العامة للمصالح المشتركة والإدارة العامة لحماية رئيس الدولة والشخصيات الرسمية والإدارة العامة للمصالح المختصة وكذلك نقابات أساسية تابعة للحرس الوطني والإدارة العامة للمصالح الفنية ونقابات الإدارة العامة للسجون والإصلاح و النقابات الأساسية للحماية المدنية وإضافة إلى النقابات المنضوية تحت هذا الإتحاد تمّ تشكيل عدد من النقابات الأخرى التونسية في خيار نحو التعددية النقابية.

وهو خيار لم يسلم من التدخل السياسي حسب ما أكده لنا السيد عفيف كسيكسي إذ يقول أن " عدد النقابات كبير التي انحرف العمل بها ليصبح سياسي بامتياز سقط البعض منها في حضن الأحزاب السياسية مثلما هو الأمر بالنسبة لاتحاد النقابات الذي انسحبت منه نقابة وحدات التدخل وعدد من أعوان الحرس ليكونوا النقابة العامة لأعوان الحرس الوطني وانسحب أعوان السجون ليكونوا نقابة السجون ثم تم تكوين تنسيقية قوات الأمن الداخلي والديوانة وهو شيء سلبي حسب اعتقادنا ويضعف العمل النقابي الأمني ذو الخصوصية."

 

-         الإعلام فضاء للالتقاء وتوضيح الصورة :

تسعى وزارة الداخلية إلى إقامة علاقات جديدة مع المواطن من خلال وسائل الإعلام، والعمل على ضمان النفاذ للمعلومة ومصارحة الرأي العام وذلك عن طريق صفحاتها ومواقعها الإعلامية [8] وندواتها الصحفية.

لكن ذلك لا يخفي الظهور السلبي للأمني في وسائل الإعلام خاصة بين النقابات الأمنية التي تصدر معاركها النقابية إلى ساحة الإعلام ما يهمش مطالبها ويجعلها عرضة لقراءة سيئة ومغايرة للحقيقة.

 

      تبرز قضية إصلاح القطاع الأمني كقضية أساسية تحتاج إلى مزيد من الاهتمام في ظل ضبابية القوانين المنظمة لهذا القطاع وهي قضية تفترض تدخل أطراف عدة أهمها السلطة التشريعية المطالبة بالتسريع في المصادقة على قوانين تواكب المرحلة الحالية ومقتضيات الدستور الجديد ومنظمات المجتمع المدني التي يمكن أن تساهم في مشروع الإصلاح نظرا لخبرتها السابقة في رصد الانتهاكات وتوثيقها إضافة إلى دور الإعلام في تقريب مختلف وجهات النظر.



[1]  خطأ لغوي في الدستور عندما يذكر أنّ الأمن الوطني أي الشرطة  أمن جمهوري ويستثنى الحرس الوطني وبقية قوات الأمن وكان من الأجدر أن يتم استعمال عبارة الأمن الداخلي المستعملة في القوانين المنظمة للقطاع والجامعة لمختلف أصنافه.

[2]  مدارس تكوين قوات الأمن الداخلي :

المركز الوطني للتكوين المستمر للأمن الوطني بقرطاج بيرصا

المدرسة الوطنية للحرس الوطني والحماية المدنية

المدرسة الوطنية لتكوين حفاظ الأمن سيدي سعد

المدرسة الوطنية لتكوين مفتشي الشرطة بسوسة

المدرسة الوطنية لتكوين ضباط الشرطة المساعدين ببنزرت

المدرسة العليا لقوات الأمن الداخلي

المدرسة الوطنية لتكوين إطارات الأمن الوطني والشرطة الوطنية بصلامبو

مدرسة الأمن الوطني بمنوبة

[3]   تتمثل هذه التنقيحات في :

القانون عـدد 58 لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000 : تعلق التنقيح أساسا بنظام الانتداب والترقيات ومنح العطل والإجازات.

 المرسوم عدد 42 لسنة 2011 المؤرخ في 25 ماي 2011 : منح الحق للأمنيين في تكوين وإنشاء النقابات.

المرسوم عدد 69 لسنة 2011 المؤرخ في 29 جويلية 2011 : نقح أيضا مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية وتعلق أساسا بضبط مرجع نظر المحاكم العسكرية .

[4]  طالبت 13 منظمة دولية في بيان لها نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش تونس بتعديل مشروع قانون زجر الاعتداء أو التخلي عنه.

https://www.hrw.org/ar/news/2015/05/13/269896

[5]  صادق المجلس الوطني التأسيسي التونسي على قانون هذه الهيئة بالقانون عدد 43 لسنة 2013 المؤرخ في 21 أكتوبر 2013 والمتعلق بالهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب وقام مجلس نواب الشعب في 31 مارس 2016 بانتخاب أعضاء الهيئة.وقد تم تكوين الهيئة في إطار تجسيد البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صادقت عليها تونس في 2011، والتابع لاتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها في 1988.

[6]  الفصل 11 من المرسوم عدد 42 : " لأعوان قوات الأمن الداخلي الحقّ في ممارسة العمل النقابي، ويمكن لهم لهذا الغرض تكوين نقابات مهنيّة مستقلّة عن سائر النّقابات المهنيّة واتحاداتها..."

[7]  " الحق النّقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون، ولا ينطبق هذا الحقّ على الجيش الوطني، ولا يشمل حقّ الإضراب قوات الأمن الدّاخلي والديوانة." الفصل 35 من الدستور التونسي، باب الحقوق والحريات.

[8]  في سياق تطوير منظومتنا الإعلاميّة والاتصالية، أطلقت وزارة الدّاخليّة اليوم الخميس 16 جوان 2016 على شبكة الأنترنات بوّابتها الإلكترونيّة التّي تحتوي على مختلف أخبار ومستجدّات الوزارة، علاوة على تضمّنها مواقع البيانات المفتوحة والخدمات الإداريّة والمناظرات والموقع الخاصّ بالمرصد الوطني لسلامة المرور وموقع الدّيوان الوطني للحماية المدنيّة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرهان الرياضي بين احتكار الدولة والخوصصة الموازية - الأستاذ رمزي محمدي المحامي والباحث في القانون الرياضي

العدد الأول لمجلة الفيفا القانونية لسنة 2026

تقديم مداخلتين : حول تأسيس وتمويل الجمعيات الرياضية - يوم دراسي " المحامي والقانون الرياضي" الفرع الجهوي للمحامين بمدنين ديسمبر 2018