الجوانب القانونية والواقعية المعلنة والخفية لقرار الكاف بإعادة مباراة الترجي والوداد

 



مقال في سنة 2019


بقلم الاستاذ رمزي محمدي المحامي والباحث في القانون الرياضي

ملاحظة أولية عدد 1 : إقرأ بعين ناقد لا بين متعصب.

ملاحظة أولية عدد 2 : المقال تحليلي بالأساس

لا زالت أحداث مباراة الدور النهائي التي جمعت في مرحلة الإياب فريق الترجي الرياضي التونسي بالوداد الرياضي المغربي تلقي بضلالها على أهم النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي بكلا البلدين تونس والمغرب وكذلك على أخبار الصحف العربية والعالمية في اهتمام يختلف باختلاف زوايا النظر لهاته الأحداث من ناحية القانون أو التعصب للفريق المناصر أو الاتهامات المتبادلة في التأثير على قرارات الكاف وتحديد مجريات اللقاء.

وبالعودة للمباراة فإنه يجدر التذكير وأن فريق الترجي قد تمكن من اقتلاع نتيجة التعادل الإيجابي بهدف لمثله أمام الوداد وذلك بالمغرب وهي نتيجة إيجابية قربت الفريق التونسي من اللقب خاصة وأنه كان يكفيه التعادل السلبي صفر لصفر في ملعب رادس بتونس للفوز باللقب الإفريقي للمرة الثانية على التوالي.

ولكن مباراة العودة لم يكتب لها أن تنتهي بصفة ودية بل شهدت توقفا وفوضى كان متوقعا لكل متابع لمباراة الذهاب قبلها إذ خلفت سابقتها جدلا تحكيميا حول أداء الحكم المصري جهاد جريشة تسبب في إصدار قرار من قبل الاتحاد الافريقي لكرة القدم الكاف بإيقافه لمدة 6 أشهر بعد احتجاج رسمي تقدم به الاتحاد المغربي ركز فيه على القرارات الغريبة للحكم المصري على خلفية إلغاء هدف الوداد في أواخر الشوط الأول بداعي وجود لمسة يد وعدم احتساب ركلة جزاء في الشوط الثاني بعد الاحتكام إلى تقنية الفار.وقد بدا من هذه القرارات قوة تأثير الاتحاد المغربي وقدرته على إقناع الكاف بإصدار قرارات مؤثرة خاصة وأن تأثير الاتحاد المغربي كان ملاحظا كذلك في انتخاب الرئيس الحالي للكاف احمد احمد بعد تصويت الاتحاد المغربي الحاسم لفائدته في سباق الانتخابات ضد منافسه رئيس الكاف السابق الكاميروني عيسى حياتو.

 

توقفت مباراة الإياب بالملعب الأولمبي لرادس في حدود الدقيقة 60 بعد احتجاج شديد من جانب الفريق المغربي على عدم احتساب الحكم قاساما هدف لاعب الوداد وليد الكرتي بعد أن اعتبر من قبل الحكم المساعد في موقف التسلل حينها طالب لاعبوا الوداد بالعودة لتقنية الفار رافضين إستئناف المقابلة التي توقف والترجي فائز بنتيجة هدف لصفر.وقد طالت الاحتجاجات لاكثر من ساعة اكتشف حينها الجمهور المتابع وأن تقنية الفار كانت معطلة منذ بداية اللقاء وذلك بسبب عدم استكمال تركيبها وعدم وصول بعض القطع الناقصة إلى تونس بسبب تقصير من الشركة المسؤولة عن هذه التقنية والمكلفة بضمان اشتغال الفار بالتنسيق مع الكاف.

وقد تسبب طول التوقف في إحراج للحكم الرئيسي للمقابلة ما دفع رئيس الكاف للهبوط لأرضية الملعب رفقة النواب الحاضرين من المكتب التنفيذي في محاولة لإيجاد حل لتستمر المقابلة دون جدوى وسط جدال متواصل بين رئيسي الاتحاد المغربي والتونسي ورئيسي الناديين تبين من خلاله وأن قائدي الفريقين كان في علمهما بكون اللقاء سيتم دون تقنية الفار بعد أن خاطبهما الحكم قبل بداية اللقاء باللغتين الفرنسية والانقليزية وطالبهما بإخبار بقية اللاعبين وهو ما فعله قائد الفريق التونسي خليل شمام دون قائد الفريق المغربي الذي تعلل فيما بعد بعدم فهمه للغة الحكم.

وأمام رفض الفريق المغربي للعودة للقاء دون التثبت من الهدف الملغى بعد أن تم تشغيل تقنية الفار وهو الموقف الذي جوبه برفض من حكم اللقاء الذي فضل استكمال اللقاء والثبات على قراره بإلغاء الهدف اعتبر فريق الوداد منسحبا من المقابلة واحتسب النتيجة لصالح الترجي وتم تسليم الميداليات الذهبية والكأس له اعتمادا على الانسحاب غير المبرر للوداد وعدم اعتبار تقنية الفار كشرط ضروري ورئيسي لبداية اللقاء او استكماله طبقا للوائح الدولية المنظمة لهذه التقنية إذ أن القرارات النهائية دائما ما تعود للحكم الرئيسي.

إثر اللقاء قرر الاتحاد الافريقي عقد اجتماع عاجل يوم الثلاثاء وتم تأجيله ليوم الأربعاء وذلك في العاصمة الفرنسية باريس بالتزامن مع انتخاب الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا.

وقد انتهى الاجتماع بعد ساعات طويلة حاول كل من الجانب التونسي والمغربي إبداء موقفه القانوني مما حدث إذ طالب الفريق القانوني للترجي التونسي والاتحاد التونسي باعتبار الترجي فائزا في حين طالب الفريق القانوني للوداد المغربي والاتحاد المغربي باعتبار الوداد فائزا ومعاقبة الترجي أو إعادة اللقاء وكان يبدوا أن كلا الموقفين لهما أسانيد وأن ترجيح كفة موقف على آخر سيحدد لا أمام العيان وإنما في الكواليس وفي الأروقة أين بدا موقف الجانب المغربي أكثر قوة وإقناعا وأين أثبتت الدبلوماسية الرياضية المغربية تأثيرها الكبير على قرارات الكاف.

وفيما يلي بسطة على أهم الأسانيد التي اعتمد عليها كلا الموقفين :                                                  

·       الاسانيد القانونية التي اعتمد عليها فريق الترجي الرياضي التونسي


1- عدم مواصلة مباراة الترجي والوداد أتى إثر قرار الحكم بإيقاف المقابلة قبل إنتهاء وقتها القانوني بعد أن منح الفريق الضيف المهلة الزمنية اللازمة و الكافية للتراجع عن قرار الإنسحاب لكن فريق الوداد تمسك بموقفه على مرأى و مسمع الجميع وانسحب رافضا مواصلة اللعب وقد كانت النتيجة انذاك هدف مقابل صفر لصالح الترجي .
2- الفصل 17 من القوانين المنظمة لمسابقة رابطة الأبطال الإفريقية ينص صراحة على خسارة الفريق الذي ينسحب من المباراة رافضا مواصلة اللعب وهو ما حصل فعلا يوم مقابلة إياب النهائي الذي دار بين الترجي والوداد بملعب رادس. وقد إستند الإتحاد الإفريقي على هذا الفصل القانوني ليتخذ قرار إسناد رمز التتويج والميداليات الذهبية إلى الفريق الفائز.
3- ينص بروتوكول المساعدة بالفيديو "
Var" المشار إليه ضمن قوانين اللعبة لموسم 2018-2019 على أن أي عطب قد يطرأ على هذه التقنية أو عدم توفرها لا يبطل المباراة ولا يؤثر على نتيجتها ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال سببا لعدم إجراء المقابلة أو إيقافها كما ينص نفس البروتوكول على أنه لا يجوز للاعب أو مسؤول أو مدرب مطالبة الحكم باللجوء إلي تقنية الفيديو في حال وجود لقطة محل جدال فالحكم وحده له السلطة التقديرية الكاملة في اعتماد الفيديو من عدمه أثناء المباراة .

·       الأسانيد القانونية التي اعتمد عليها فريق الوداد الرياضي المغربي

كان واضحا منذ البداية وأن الجانب المغربي إذا ما ركز على تقنية الفار سيخسر الصراع القانوني كما خسر قبله الصراع الكروي لذلك استند فريق الوداد على الجانب الأمني للقاء والذي شكل مخرجا للكاف ولرئيسه المحرج وربما المضغوط عليه من المغرب وشكل كذلك حلا قد يبدوا أكثرها إرضاء للطرفين.بعد ان بين أن عدد الجمهور الحاضر كان أكثر من عدد التذاكر المسموح بها وذلك حسب معاينة الكاف لوجود عدد لا بأس من الجمهور غير الجالسين في مقاعدهم إضافة إلى تعرض رئيس الكاف للتهديد فوق الملعب (ما يرجح فكرة انحياز رئيس الكاف للموقف المغربي ) وكذلك التركيز على وجود فرق أمنية حاملة للسلاح على أرضية الملعب خاصة منها قوات النخبة من رجال الطلائع الدرجة الثانية وهي قوات لا تتدخل إلا في حالة التهديد الكبير ومختصة في مقاومة الجريمة المنظمة ومقاومة الإرهاب (حسب الخبير سليم البرناوي – ضابط سامي في الحرس ).

وتبعا لهذه الأسانيد القانونية أصدر الكاف قراراه بإعادة مباراة الغياب في ملعب محايد وفق تاريخ ومكان سيحدد لاحقا بعد نهاية كأس أمم إفريقيا التي تقام بمصر ومطالبة الفريق التونسي بإعادة الكأس والميداليات  وقد عد هذا القرار انتصارا للموقف المغربي في حين تشبث فريق الترجي التونسي بحقه في اللجوء للمحكمة الرياضية الدولية TAS CAS  وإستئناف القرار.

وإن كان هذا القرار أو غيره ضعيف السند القانوني فإنه كان واقعيا بمثابة الحل الوسط للفريقين خاصة وأن احتساب نتيجة الإياب كان سيؤدي لعقوبات صارمة على الفرق المغربية في حين ان موقف الجانب المغربي كان متشبثا لا بإعادة القاء فقط بل احتساب النتيجة لصالحه..

يجدر الملاحظة أخيرا وأن الصراع الكروي والقانوني لا يجدر أن يتجاوز هذه الحدود خاصة مع بعض الردود والتفاعلات المتعصبة من هذا الجانب أو ذاك في المطالبة بقطع العلاقات بين البلدين أو مطالبة رئيس الحكومة بتدخل سياسي وإبداء موقفه وهو أمر مخالف للقوانين الرياضية بتاتا ويرفضه الاتحاد الدولي لكرة القدم كما أن السبب الأمني المرتكز عليه من قبل الجانب المغربي يهم مجريات اللقاء ولا يهم أمن توسن ولا يتصور منه أدنى تأثير على استقرارها أو سياحتها.كما أن النقاشات التي تحدث بين أنصار الفرق التونسية مثل الترجي والنجم والإفريقي وصفاقس هي نقاشات معتادة بين إحساس أنصار الترجي بأن القضية تهم تونس ولا تهم الترجي فقط وبين اعتبار بعض أنصار بقية الفرق التونسية وأن القضية تهم الترجي وأن ما تعرضت له من ظلم لا يوازي الظلم الذي تعرضت له فرقها في الدوري المحلي أو الدوريات الإفريقية لعل آخرها مباراة نصف النهائي بين نضهة بركان المغربي والنادي الرياضي الصفاقسي

وعوما فقد أثبت هذه الأحداث بداية الصراعات داخل الكاف امام انسحاب ممثل الاتحاد النيجيري الذي كان مناصرا للموقف القانوني التونسي وأمام حيادية الفيفا التي اعتبرت المسألة خاصة بالرياضة الافريقية وأما ردود أفعال الصحف العالمية التي اعتبرت غياب الفار مهزلة وقرار الفار الأخير مهزلة ثانية كذلك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرهان الرياضي بين احتكار الدولة والخوصصة الموازية - الأستاذ رمزي محمدي المحامي والباحث في القانون الرياضي

العدد الأول لمجلة الفيفا القانونية لسنة 2026

تقديم مداخلتين : حول تأسيس وتمويل الجمعيات الرياضية - يوم دراسي " المحامي والقانون الرياضي" الفرع الجهوي للمحامين بمدنين ديسمبر 2018