أزمة أنظمة الضمان الاجتماعي : مسكنات مؤقتة ومشاورات بطيئة ل " وضعية حرجة "

 

مقال : سنة 2023



تعتبر الصناديق الاجتماعية من أهم مكاسب الدولة الحديثة في تونس بعد الاستقلال إذ يحتل قطاع الضمان الاجتماعي مكانة متميزة ضمن السياسة الاجتماعية باعتباره عنصرا أساسيا للمحافظة على السلم الاجتماعي وتمتيع المواطن بحقه في الضمان الاجتماعي كحق إنساني يكرسه الدستور والمواثيق الدولية [1].وقد أوضحت تصريحات رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس خاصة بعد أن أكد إمكانية بيع البنوك الحكومية أو جمعها في بنك عمومي وحيد إضافة إلى المشاورات المتواصلة حول أزمة الصناديق الاجتماعية التي اعتبرها رئيس الحكومة من ضمن الإصلاحات الأربعة الكبرى التي تركز عليه حكومته في  سنة 2017 إضافة لتمويل الاقتصاد وإصلاح الوظيفة العمومية وإصلاح المؤسسات العمومية. [2]

تعتبر أزمة الصناديق الاجتماعية من أخطر الأزمات التي تواجه المجتمع التونسي خاصة وأنها تهدد استمرار منظومة الضمان الاجتماعي التي يتمتع بها المواطن التونسي. يبدوا الحق الضمان الاجتماعي في ظل هذه الأزمة مهددا أكثر من أي وقت مضى ما من شأنه أن يؤثر على المنخرطين في منظومة الصناديق الاجتماعية التي تشمل تقريبا كل الفئات النشيطة من الموظفين والعمال والأجراء والحرفيين والفنانين والفلاحين والطلبة وحاملي الشهادات العليا وحتى العملة التونسيين بالخارج.

في مواجهة هذه الأزمة والتي وصفها وزير الشؤون الاجتماعية ب" الوضعية الحرجة " لم تستطع الحكومات المتعاقبة على الحكم في تونس حل المشاكل الموروثة من النظام السابق مما سهل في تعمق الأزمة داخل صناديق الضمان الاجتماعي الثلاثة وهي : الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي [3] والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية [4] وصندوق التأمين على المرض [5] التي أصبحت تعاني عجزا كبيرا نظرا لتراكم ديونها [6] وعدم قدرتها على استخلاصها وتكثيف رقابتها على هذه الديون.

ففي حين تحاول الحكومة اعتماد سياسة المسكنات للأزمة بإقتراح حلول مؤقتة في كل مرة تبدوا المشاورات المقامة بينها وبين الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في إطار اللجان المشتركة بطيئة.

إذ بادرت الدولة بتحمل احتياجات السيولة بالنسبة للصناديق الاجتماعية لسنة 2017 ضمن ميزانية سنة 2017 بنحو 500 مليون دينار، بالإضافة إلى 300 مليون دينار ضختها في ميزانيتها لسنة 2016، وذلك أساسا مساعدة هذه الصناديق على الإيفاء بالتزاماتها المتعلقة بصرف الجرايات.كما اقترحت حلول مؤقتة إذ قدمت الحكومة التونسية في مرة أولى مشروع قانون حول الترفيع الاختياري في سن التقاعد في القطاع العام بموجب مشروع القانون عدد 52 لسنة 2015 المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 12 لسنة 985 والمتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد وللباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي والذي جوبه بالرفض من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل ما اضطر الحكومة للإعلان عن التراجع عنه من أجل مشروع قانون بديل يتعلق بالتسريح الطوعي للموظفين  يتعلق بالتقليص في عدد الموظفين إما عن طريق التقاعد المبكر الاختياري أو بتمكين الموظفين من أجرة سنتين كاملتين والتدخل لدى البنوك من أجل تيسير بعثهم لمشاريع خاصة.

في المقابل تبدوا المشاورات بطيئة كما سبق القول داخل اللجنة الفرعية للحماية الاجتماعية والتي تضم كل ممثلين عن الدولة وعن الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والمكلفة بإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية في تونس بعد انبثاقها عن  وثيقة العقد الاجتماعي الممضى بتاريخ 14 جانفي 2013 بين المنظمة النقابية ومنظمة الأعراف والحكومة التونسية والتي لم تنجح بعد أربع سنوات من انطلاقها في تجاوز مرحلة التشخيص نحو بلورة حلول نهائية من شأنها الخروج من الوضع الحرج إذا اعتبر  وزير الشؤون الاجتماعية أن  الجلسات الحالية هي  تشخيص للتوازنات المالية للصناديق الاجتماعية و صياغة للنظام داخلي للجنة الفرعية للحماية الاجتماعية و ضبط لروزنامة العمل [7].



[1]  المادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : "لكل شخص بصفته عضواً في المجتمع الحق في الضمانة الاجتماعية وفي أن تحقق بوساطة المجهود القومي والتعاون الدولي وبما يتفق ونظم كل دولة ومواردها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي لا غنى عنها لكرامته وللنمو الحر لشخصيته."

الفصل 38 من الدستور التونسي : " الصحة حق لكل إنسان.تضمن الدولة وقاية والرعاية الصحية لكل مواطن وتوفر الإمكانيات الضرورية لضمان السلامة وجودة الخدمات الصحية.تضمن الدولة العلاج المجاني لفاقدي السند ولذوي الدخل المحدود.وتضمن الحق في التغطية الاجتماعية طبق ما ينظمه القانون.

[2]  حوار مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد ، 26 فيفري 2017 على قناة الحوار التونسي.

[3]  يختص الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتصرف في أنظمة الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص طبقا لما ينص عليه القانون عدد 30 لسنة 1960 والمؤرخ في 14 ديسمبر 1960.

[4]  يختص الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية بالتصرف في أنظمة الضمان الاجتماعي في القطاع العام.

[5]  يختص الصندوق الوطني للتأمين على المرض كمؤسسة عمومية بتنظيم نظام التأمين الصحي الرئيسي في تونس منذ أن تم إنشاءه في سنة 2008.

[6]  - تقدر ديون الصندوق الوطني للتأمين على المرض المستحقة تجاه الصناديق الاجتماعية ب 1944 مليون دينار بواقع 1344 مليون دينار تجاه الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، و600 مليون دينار تجاه الصندوق الوطني للضمان.

-  تقدر ديون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لدى المؤسسات منذ الثمانينات ب 4640 مليون دينارا.

- سجل الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية عجزا متواصلا وصل إلى 528 مليون في سنة 2016.

المصدر : أرقام مقدمة من قبل وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي أمام لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بمجلس نواب الشعب – 16 فيفري 2017.

[7]  بلاغ وزارة الشؤون الاجتماعية بتاريخ 02-03-2017 تحت عنوان : " إصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي : لجنة الحماية تجتمع وتناقش أسباب ومكامن اختلال توازنات الصناديق الاجتماعية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرهان الرياضي بين احتكار الدولة والخوصصة الموازية - الأستاذ رمزي محمدي المحامي والباحث في القانون الرياضي

العدد الأول لمجلة الفيفا القانونية لسنة 2026

تقديم مداخلتين : حول تأسيس وتمويل الجمعيات الرياضية - يوم دراسي " المحامي والقانون الرياضي" الفرع الجهوي للمحامين بمدنين ديسمبر 2018